ابن أبي الحديد

349

شرح نهج البلاغة

النفس مع انتفاء ما يشغلها عن التمتع به ، والتلذذ بمصاحبته ، والذي كان يشغلها عنه في الدنيا استغراقها في تدبير البدن ، وما تورده عليها الحواس من الأمور الخارجية ، ولا ريب أن العاشق إذا خلا بمعشوقه ، وانتفت عنه أسباب الكدر ، كان في لذة عظيمة ، فهذا هو سر قوله : " وصنيع المال يزول بزواله " . فإن قلت : ما معنى قوله ( عليه السلام ) : " معرفة العلم دين يدان به " ، وهل هذا إلا بمنزله قولك : معرفة المعرفة أو علم ! العلم وهذا كلام مضطرب . قلت : تقديره معرفة فضل العلم أو شرف العلم ، أو وجوب العلم دين يدان به ، أي المعرفة بذلك من أمر الدين ، أي ركن من أركان الدين واجب مفروض . ثم شرح ( عليه السلام ) حال العلم الذي ذكر أن معرفة وجوبه أو شرفه دين يدان به ، فقال : " العلم يكسب الانسان الطاعة في حياته " ، أي من كان عالما كان لله تعالى مطيعا ، كما قال سبحانه : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ( 1 ) . ثم قال : " وجميل الأحدوثة بعد وفاته " ، أي الذكر الجميل بعد موته . ثم شرع في تفضيل العلم على المال من وجه آخر ، فقال : " العلم حاكم ، والمال محكوم عليه " ، وذلك لعلمك أن مصلحتك في إنفاق هذا المال تنفقه ، ولعلمك بأن المصلحة في إمساكه تمسكه ، فالعلم بالمصلحة ، داع وبالمضرة صارف ، وهما الأمران لحاكمان بالحركات والتصرفات إقداما ، وإحجاما ، ولا يكون القادر قادرا مختارا إلا باعتبارهما ، وليسا إلا عبارة عن العلم أو ما يجرى مجرى العلم من الاعتقاد والظن ، فإذن قد بان وظهر أن العلم من حيث هو علم حاكم ، وأن المال أوليس بحاكم ، بل محكوم عليه .

--> ( 1 ) سورة فاطر 28 .